A
Ahmed Belal
:: مسافر ::
أوقفوا إهانة المصريين على أبواب أجدادهم
هل جاء "فراعنة مصر" من أوروبا؟!
شاركت الأسبوع الماضي في مؤتمر دور الشباب في الإصلاح الثقافي، الذي عقده المجلس الأعلى للثقافة في الأقصر، على مدار 4 أيام. طبيعة المدينة التي احتضنت فعاليات المؤتمر جعلت عدد من القضايا مطروحًا بشدة خلال المناقشات، بينها قضية نشر "الوعي الأثري"، والاهتمام بالآثار المصرية، ودعوة المصريين جميعًا إلى زيارة الأقصر للتعرف على آثار مصر وحضارتها.
مناقشات عديدة جمعتني بالشباب المشارك في المؤتمر، كان أكثر ما يشغلهم، هو هل سيتم تنفيذ التوصيات التي ستخرج من المؤتمر أم لا!.. وكان جزءًا من الإجابة، أن بعض التوصيات لا يحتاج لتحرك حكومي فقط، وإنما إلى مبادرات شبابية تساهم في تحقيقها.
والتزامًا مني بهذه الرؤية، ولكوني مسؤولًا عن صفحة وموقع مهتمان بالسياحة والسفر، ( الرحالة - Rahhala ) قررت القيام بمبادرة لتشجيع الوعي الأثري والسياحة الداخلية، من خلال زيارة كافة المناطق السياحية في الأقصر وأسوان والنشر عنها سواء على صفحتي أو في موقع al-rahhala.com
الفكرة كانت تتلخص في الابتعاد عن "الرحلات المعلبة"، وزيارة كافة الأماكن السياحية والتاريخية بأقل تكلفة ممكنة، وهو اتجاه يمثل في تقديري النسبة الأكبر الآن من حركة السفر حول العالم (Budget Travel)، ورؤية أعتقد أنها مناسبة أكثر سواء للشباب الذين لا يفضلون الالتزام ببرامج معدة سلفًا، أو يخشون الاشتراك في برامج الشركات السياحية لارتفاع أسعارها.
على كل حال، زرت عدد من الاماكن واستمتعت بها حقًا، مثل معبدي الأقصر والكرنك، ومتحف الأقصر، وتمثالي ممنون، حتى قررت زيارة وادي الملوك، في البر الغربي، عبرت النيل، بمعدية لم تكلفني سوى جنيه واحد، واستأجرت سيارة ميكروباص بعشرون جنيهًا حتى الوادي، ما أن وصلت إلى المكان، حتى أوقفنا الكمين الأمني المؤدي له.
تفحصني رجال الشرطة جيدًا، ثم سألني إن كنت مصري، فأجبته بالإيجاب، فعاد ليسأل: "جاي هنا ليه؟!".. الحقيقة كان السؤال بمثابة صعقة كهربائية بالنسبة لي، لم أشعر بالاستغراب من السؤال بقدر ما شعرت بالإهانة. شرطي مصري يستوقف مواطنًا مصري ويسأله: لماذا جئت لزيارة أجدادك المصريين، في الوقت الذي ينتصب فيه وقوفًا وإجلالًا لأي سائح يدخل المكان، لمجرد أنه أجنبي، وكأن هؤلاء الذين يرقدون في وادي الملوك جاؤوا من أوروبا ولم يكونوا مصريين!.
أجبت الرجل مستنكرًا سؤاله: هو الناس بتيجي هنا ليه؟!.. جاي أتفسح!، ويبدو أن الاستنكار لم يرق له، فطلب مني بطاقة الرقم القومي ليطلع عليها. قبل أن أخرجها له: سألته مستنكرًا مرة أخرى: هل دخول المتاحف والمعابد يستلزم إظهار بطاقة الرقم القومي!!، نظر الرجل إلى بطاقتي، ثم أعادها إلي وقد تغيرت لهجته (بعد معرفة أنني صحفي) قائلًا بابتسامة بلهاء: ده احنا كده بنميزك يا باشا، فأجبته: لا انت كده في الحقيقة بتميز ضدي فقط لأني مصري!.
لم أهتم كثيرًا إذا كان الشرطي فهم ما قلت أم لا، دخلت وادي الملوك بإحساس بالمهانة، تذكرت موقفًا شبيهًا حدث معي منذ شهرين تقريبًا. كنت وعدت يوسف ابني ذو الست سنوات، برحلة إلى المتحف المصري، بعد نجاحه في KG2، اصطحبته بالفعل وتوجهنا إلى المتحف، وهناك حدث نفس الموقف، أشخاص من جنسيات مختلفة يدخلون دون سؤال (وهذا حقهم بالمناسبة)، ولما كنت المصري الوحيد، فقد استوقفني شرطي البوابة، ليطلب مني بطاقتي، ويدور بيننا حوار شبيه بما دار على بوابة وادي الملوك.
ما حدث في وادي الملوك بالأقصر، ومن قبلها في المتحف المصري، تكرر أثناء زيارتي لمعبد حورس في إدفو بأسوان، عندما اقتربت من باب دخول المعبد، فوجئت بكلاكس من سيارة الشرطة، المتوقفة في مواجهته، نزل الضابط، وأشار لي بيده بما يفيد طلبه البطاقة، أخرجتها له، سألني: جاي ليه، ثم ما لبث أن نظر للوجه الآخر من البطاقة وقرأ المهنة، وقال لي بأدب جم في الحقيقة: اتفضل يا أستاذ!.
في المسافة بين عربة الشرطة حيث رأى الضابط بطاقتي، وبوابة الدخول تذكرت مشهد أحمد حلمي في فيلم "عسل أسود"، عندما قال للضابط: أنا مصري، ليجيبه الشرطي: يعني ايه مصري.. مصري ووكيل نيابة مصري ضابط!.
على كل حال وصلت البوابة الإلكترونية، فسألني الشرطي، إن كان هناك أي شيء في حقيبتي، وهذا حقه بالطبع، فقلت له لا وأنني سأضع في كل الأحوال حقيبتي على الجهاز، وسيرى من خلال الأشعة ما بها، فأجابني بكل هدوء: لا افتحها لأن الجهاز عطلان.. صحيح أن من حقه أن يتأكد تمامًا من أنني لا أحمل أي سلاح، لكن من حقي وحق الشعب المصري كله أن لا يكون هناك إهمال أمني، لأن الثمن الذي ندفعه جميعًا نتيجة ذلك، يكون أكبر مما يتوقع هذا الشرطي.
على أبواب المعابد المصرية القديمة، يرفع رجال الشرطة شعار "المصري مشتبه به حتى الاطلاع على مهنته"، شعار يمثل الواقع الحقيقي، الذي يتناقض تماما مع كل الحملات التي ينفق عليها ملايين الجنيهات، لتشجيع السياحة الداخلية، وتشجيع المصريين على زيارة آثار أجدادهم، إذ أن أمام هذا الشعار، تصبح كل ما ينفق على هذه الحملات، هو مجرد إهدار للمال العام.
في العديد من دول العالم، تفتح المتاحف والاماكن الأثرية مجانًا للمواطنين، لأن هذا تراثهم وتاريخهم وحضارتهم التي بناها أجدادهم، أما في مصر فكونك مواطنًا يجعلك معرضًا للمنع من دخول الاماكن الأثرية، وكأن من بنى هذه الحضارة ليسوا مصريين، فيما يدخل الأجنبي القادم من أوروبا، ومرة أخرى هذا حقه تماما، المعابد والمتاحف المصرية وسط تهليل وتبجيل، وكأن من بنوا هذه الحضارة جاءوا من أوروبا.. فهل جاء فراعنة مصر من أوروبا حقًا يا سيادة الوزير؟!.
Ministry of Tourism Egypt - وزارة السياحة المصرية
المجلس الاعلى للاثار
هل جاء "فراعنة مصر" من أوروبا؟!
شاركت الأسبوع الماضي في مؤتمر دور الشباب في الإصلاح الثقافي، الذي عقده المجلس الأعلى للثقافة في الأقصر، على مدار 4 أيام. طبيعة المدينة التي احتضنت فعاليات المؤتمر جعلت عدد من القضايا مطروحًا بشدة خلال المناقشات، بينها قضية نشر "الوعي الأثري"، والاهتمام بالآثار المصرية، ودعوة المصريين جميعًا إلى زيارة الأقصر للتعرف على آثار مصر وحضارتها.
مناقشات عديدة جمعتني بالشباب المشارك في المؤتمر، كان أكثر ما يشغلهم، هو هل سيتم تنفيذ التوصيات التي ستخرج من المؤتمر أم لا!.. وكان جزءًا من الإجابة، أن بعض التوصيات لا يحتاج لتحرك حكومي فقط، وإنما إلى مبادرات شبابية تساهم في تحقيقها.
والتزامًا مني بهذه الرؤية، ولكوني مسؤولًا عن صفحة وموقع مهتمان بالسياحة والسفر، ( الرحالة - Rahhala ) قررت القيام بمبادرة لتشجيع الوعي الأثري والسياحة الداخلية، من خلال زيارة كافة المناطق السياحية في الأقصر وأسوان والنشر عنها سواء على صفحتي أو في موقع al-rahhala.com
الفكرة كانت تتلخص في الابتعاد عن "الرحلات المعلبة"، وزيارة كافة الأماكن السياحية والتاريخية بأقل تكلفة ممكنة، وهو اتجاه يمثل في تقديري النسبة الأكبر الآن من حركة السفر حول العالم (Budget Travel)، ورؤية أعتقد أنها مناسبة أكثر سواء للشباب الذين لا يفضلون الالتزام ببرامج معدة سلفًا، أو يخشون الاشتراك في برامج الشركات السياحية لارتفاع أسعارها.
على كل حال، زرت عدد من الاماكن واستمتعت بها حقًا، مثل معبدي الأقصر والكرنك، ومتحف الأقصر، وتمثالي ممنون، حتى قررت زيارة وادي الملوك، في البر الغربي، عبرت النيل، بمعدية لم تكلفني سوى جنيه واحد، واستأجرت سيارة ميكروباص بعشرون جنيهًا حتى الوادي، ما أن وصلت إلى المكان، حتى أوقفنا الكمين الأمني المؤدي له.
تفحصني رجال الشرطة جيدًا، ثم سألني إن كنت مصري، فأجبته بالإيجاب، فعاد ليسأل: "جاي هنا ليه؟!".. الحقيقة كان السؤال بمثابة صعقة كهربائية بالنسبة لي، لم أشعر بالاستغراب من السؤال بقدر ما شعرت بالإهانة. شرطي مصري يستوقف مواطنًا مصري ويسأله: لماذا جئت لزيارة أجدادك المصريين، في الوقت الذي ينتصب فيه وقوفًا وإجلالًا لأي سائح يدخل المكان، لمجرد أنه أجنبي، وكأن هؤلاء الذين يرقدون في وادي الملوك جاؤوا من أوروبا ولم يكونوا مصريين!.
أجبت الرجل مستنكرًا سؤاله: هو الناس بتيجي هنا ليه؟!.. جاي أتفسح!، ويبدو أن الاستنكار لم يرق له، فطلب مني بطاقة الرقم القومي ليطلع عليها. قبل أن أخرجها له: سألته مستنكرًا مرة أخرى: هل دخول المتاحف والمعابد يستلزم إظهار بطاقة الرقم القومي!!، نظر الرجل إلى بطاقتي، ثم أعادها إلي وقد تغيرت لهجته (بعد معرفة أنني صحفي) قائلًا بابتسامة بلهاء: ده احنا كده بنميزك يا باشا، فأجبته: لا انت كده في الحقيقة بتميز ضدي فقط لأني مصري!.
لم أهتم كثيرًا إذا كان الشرطي فهم ما قلت أم لا، دخلت وادي الملوك بإحساس بالمهانة، تذكرت موقفًا شبيهًا حدث معي منذ شهرين تقريبًا. كنت وعدت يوسف ابني ذو الست سنوات، برحلة إلى المتحف المصري، بعد نجاحه في KG2، اصطحبته بالفعل وتوجهنا إلى المتحف، وهناك حدث نفس الموقف، أشخاص من جنسيات مختلفة يدخلون دون سؤال (وهذا حقهم بالمناسبة)، ولما كنت المصري الوحيد، فقد استوقفني شرطي البوابة، ليطلب مني بطاقتي، ويدور بيننا حوار شبيه بما دار على بوابة وادي الملوك.
ما حدث في وادي الملوك بالأقصر، ومن قبلها في المتحف المصري، تكرر أثناء زيارتي لمعبد حورس في إدفو بأسوان، عندما اقتربت من باب دخول المعبد، فوجئت بكلاكس من سيارة الشرطة، المتوقفة في مواجهته، نزل الضابط، وأشار لي بيده بما يفيد طلبه البطاقة، أخرجتها له، سألني: جاي ليه، ثم ما لبث أن نظر للوجه الآخر من البطاقة وقرأ المهنة، وقال لي بأدب جم في الحقيقة: اتفضل يا أستاذ!.
في المسافة بين عربة الشرطة حيث رأى الضابط بطاقتي، وبوابة الدخول تذكرت مشهد أحمد حلمي في فيلم "عسل أسود"، عندما قال للضابط: أنا مصري، ليجيبه الشرطي: يعني ايه مصري.. مصري ووكيل نيابة مصري ضابط!.
على كل حال وصلت البوابة الإلكترونية، فسألني الشرطي، إن كان هناك أي شيء في حقيبتي، وهذا حقه بالطبع، فقلت له لا وأنني سأضع في كل الأحوال حقيبتي على الجهاز، وسيرى من خلال الأشعة ما بها، فأجابني بكل هدوء: لا افتحها لأن الجهاز عطلان.. صحيح أن من حقه أن يتأكد تمامًا من أنني لا أحمل أي سلاح، لكن من حقي وحق الشعب المصري كله أن لا يكون هناك إهمال أمني، لأن الثمن الذي ندفعه جميعًا نتيجة ذلك، يكون أكبر مما يتوقع هذا الشرطي.
على أبواب المعابد المصرية القديمة، يرفع رجال الشرطة شعار "المصري مشتبه به حتى الاطلاع على مهنته"، شعار يمثل الواقع الحقيقي، الذي يتناقض تماما مع كل الحملات التي ينفق عليها ملايين الجنيهات، لتشجيع السياحة الداخلية، وتشجيع المصريين على زيارة آثار أجدادهم، إذ أن أمام هذا الشعار، تصبح كل ما ينفق على هذه الحملات، هو مجرد إهدار للمال العام.
في العديد من دول العالم، تفتح المتاحف والاماكن الأثرية مجانًا للمواطنين، لأن هذا تراثهم وتاريخهم وحضارتهم التي بناها أجدادهم، أما في مصر فكونك مواطنًا يجعلك معرضًا للمنع من دخول الاماكن الأثرية، وكأن من بنى هذه الحضارة ليسوا مصريين، فيما يدخل الأجنبي القادم من أوروبا، ومرة أخرى هذا حقه تماما، المعابد والمتاحف المصرية وسط تهليل وتبجيل، وكأن من بنوا هذه الحضارة جاءوا من أوروبا.. فهل جاء فراعنة مصر من أوروبا حقًا يا سيادة الوزير؟!.
Ministry of Tourism Egypt - وزارة السياحة المصرية
المجلس الاعلى للاثار