من أهم دروس الحياة اللي تعلمتها في السفر إن...

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع Khaled Zaki
  • تاريخ البدء تاريخ البدء
K

Khaled Zaki

:: مسافر ::
من أهم دروس الحياة اللي تعلمتها في السفر إن نظرة الشعوب للفقر والغنى تحدد شكل المجتمع وقيمه ومستوى تحضره.

المجتمع الاسكندنافي مثلا يشعرك بالإحراج لكونك غني!

النظام هناك اشتراكي-ديمقراطي. أهم قيمة في المجتمع هي المساواة. بالتالي الكل يتجه نحو منطقة المنتصف. الطبقة الوسطى تشكل أكبر شريحة اجتماعية، بينما الأغنياء جدا والفقراء جدا أقلية. القوانين كلها تدفع في نفس الاتجاه: الضرائب كبيرة جدا ومتصاعدة كلما زاد الدخل والتهرب منها جريمة مشددة، وتحصل مقابلها على خدمات مجانية كالرعاية الصحية والتعليم والأجازات المدفوعة والمعاشات لكبار السن وذوي الإعاقة والعاطلين، ولا توجد فوائد لوضع أموالك بدون استثمار في البنوك، بل بالعكس، تؤخذ منك نسبة شهرية لإجبارك على استثمارها وتنميتها. الكل يرتدي نفس الملابس تقريبا. أول ما تلاحظه في الشارع في ستوكهولم وكوبنهاجن مثلا أنك لا تستطيع تمييز المستوى الاجتماعي للناس من ملابسهم! الكل يركب المواصلات العامة أو الدراجات بما فيهم المشاهير وذوي المناصب العليا. السيارات الغالية لا تراها تقريبا إلا في عطلة نهاية الأسبوع. الأثاث في أغنى البيوت عملي وغير متكلف رغم أن بعضه من مصممين مشهورين وقيمته غالية جدا. يمكنك ارتداء الملابس العملية البسيطة أو الجينز في العمل وفي كل المناسبات حتى الأفراح والأوبرا لو أحببت دون أي توبيخ أو نظرات استياء. باختصار: المجتمع عملي، غير مصاب بداء "المنظرة" الذي نعاني منه! التركيز الأكبر على جودة الحياة لأكبر عدد ممكن من الناس، وإيصالهم للحد الأدنى من الرفاهية بحيث يمكنهم أن يشتروا ويأكلوا ويرفهوا عن أنفسهم ويسافروا. لذلك لا ترى شحاتين مثلا في اسكندنافيا (إلا مؤخرا من المهاجرين أو الغجر)

في المقابل، المجتمع الأمريكي يشعرك بالإحراج لكونك فقير!

النظام الرأسمالي يعتمد على فكرة أن الكل في منافسة مفتوحة، وليس هناك حدود للثروة الشخصية، وكل واحد وشطارته. أهم قيمة فيه هي الغنى. بالتالي يلوم الفقير علي فقره بافتراض أنه "كسول" لم يسعى بما يكفي لتحصيل الثروة. في حين أنه في الواقع هناك ظروف كثيرة قد تمنع تقدم الشخص مثل تكاليف الرعاية الصحية والتعليم. التعليم الجامعي مثلا في أمريكا بمصروفات باهظة، بينما في اسكندنافيا مجاني وفوقه مرتب للطالب ليعول نفسه. بالتالي لو شخص ظروفه لا تسمح له بدفع مصروفات التعليم في أمريكا سيكون بالقطع أقل فرصا من شخص عنده مال يتعلم به. وكلما زادت شهرتك وغناك، كلما وجدت مزيد من الطرق للتهرب من الالتزامات الاجتماعية مثل الضرائب، وكلما زاد غناك باضطراد. لذلك تجد الأمريكي الغني فخور بغناه لأنه مقتنع تماما أن هذا "تعبه" ومن حقه أن يستعرض نتيجته ويعلن عنها بكل وسيلة. الملابس الملفتة والسيارات الفارهة والبيوت الضخمة والإفراط في الشراء والترفيه والطعام. وتجد بجانبهم شحاتين ومشردين يعيشون في صناديق كرتون على الرصيف أو في مواسير الصرف في وسط نيويورك وواشنطن وغيرها من المدن الكبيرة! والمجتمع متقبل هذا الوضع عادي جدا ويتعامل معه كأمر حتمي ولا مفر منه!

لذلك من أكثر القصص تسلية وثراء بالنسبة لي في موضوع اختلاف الثقافات، هي قصص أصدقائي الأمريكان عند أول زيارة للدول الاسكندنافية، وأصدقائي الاسكندناف عند أول زيارة لأمريكا. صدام الحضارات في أوضح صوره.

تأثير هاتين النظرتين المختلفتين على الحياة اليومية وعلى قيم الناس في الثقافتين رهيب:

الاسكندنافي (بوجه عام، هناك استثناءات طبعا) يحترم اختلاف الألوان والأديان والثقافات ويؤمن أن كل البشر متساويين ومن حقهم حياة متساوية، بينما الأمريكي بكل طبيعية يصنف الناس تبعا لعرقهم ولونهم ومستواهم المادي، ولا يجد الناس غضاضة في ذلك، ويستغربون إذا استغربت أنك يتم تصنيفك علنا دون أي حياء: أسود أو آسيوي أو شرق-أوسطي أو يهودي أو مسلم أو سيخ.

عندما أحاول أن أفهم مجتمعنا المعقد جدا في قواعده، أجدنا أقرب للنموذج الأمريكي رغم فقرنا ورغم أن معظمنا من نفس الأصول الريفية! بينما نحتاج بشدة للنموذج الاسكندنافي (أو ما يشبهه ويناسب ثقافتنا) لعدل الكفة الاجتماعية واستعادة الطبقة الوسطى المنقرضة لأنها رمانة الميزان للمجتمع.

عارفة إني باحلم... أدينا بنفضفض من باب الحواديت والعلم بالشئ :)
DqH8SW1oht81FDn-8742h2LVSVEduGhS.jpeg