سنغافورة

دودو

:: مسافر ::
4 مارس 2017
501
7
0
42
مصر

تخذت مقعدي البعيد عن النافذة في مقصورات الدرجة الاولى على طائرة ايرسنغافورة ذاك المساء الصيفي، بشئ من التشاؤم المضاعف. كنت اشعر بالانقباض منذ ايام، فالمدة التي ستسغرقها الرحلة بين مطار هيثرو ومطار شانغي انترناشيونال في سنغافورة، تقدر باكثر من 12 ساعة وهذا اطول بكثير مما يقوى عليه مدخن نهم! لكن المقعد المريح ووسائل التسلية علاوة على سخاء ولطافة عناصر الضيافة، ساهمت في تبديد الملل وجعل الرحلة تبدو اقصر بكثير مما هي عليه.
واللطافة علامة فارقة للسنغافوريين الذين يذوبون احتراماً للزائر على الرغم من انهم شعب صارم في اتباع القوانين والانظمة بدقة تجعلك تشعر احياناً انك في ثكنة عسكرية. في الشوارع الواسعة النظيفة تتكبد غرامة باهظة اذا ضبطت وانت ترمي بعض الاوساخ في الشارع .
ولاننسى ان لسنغافورة صيت ذائع، مبالغ فيه، كدولة تفرض عقوبات شديدة على مرتكبي “مخالفات” تبدو للغالبية العظمى من امم الدنيا سلوكاً طبيعياً لاغبار عليه ولايستوجب هذا الحزم. صحيح ان رمي عقب سيجارة في الطريق قد يكلفك اكثر من خمسين دولاراً. لكن من الصحيح ايضاَ ان بوسعك الاستمتاع بمضع علكة ماطاب لك ذلك في اي مكان تشاء من دون ان ينتهي بك المطاف في زنزانة معزولة! اما اذا تجرأت على رمي العلكة في الطريق، فعندها يكون لكل حادث حديث.
وتحيط بالجزيرة الرئيسية 63 جزيرة صغيرة لاتكفي لتخفيف وطأة الضغط السكاني على العاصمة التي بدأت تضيق بمن فيها كما تدل أبنيبها الشاهقة التي تشبه كل منها قرية كاملة تعيش فيها مئات العائلات.. الطريف ان عدد الذين قطنوا الجزيرة الكبرى لم يزد عن 150 نسمة قبل حوالي قرنين وهي تضم حالياً ما يزيد عن 4 ملايين نسمة.
المتناقضات المتجانسة

لكن مالذي يميز سنغافورة عدا الحزم في تنفيذ القواعد والقوانيين؟ ربما يكون الجمع بين المتنافضات بذكاء بحيث تبدو منسجمة قدر الامكان: الصرامة مع الزائر وحسن الضيافة، افساح المجال للهو والمتعة الى اقصى الحدود من دون ان تبدو المدينة “خلاعية” او غير معنية بالقواعد والاصول التي يحرص عليها اي مجتمع محافظ.
السمة البارزة الاخرى هي الخضرة الوارفة التي تراها كيفما تلفتت، على جانب شارع طويل مكتظ بالسيارات، او تتدلى من الجسور والشرفات، او هي كالحدائق المعلقة التي تلمحها من بعيد على اسطح بنايات عالية. لاتزيد رقعتها عن 628 كيلومتر مربع. بيد ان ضيق المكان لم يمنع المدينة من الاحتفاظ بالمنتزهات الرحبة والمحميات الطبيعية التي تبدو كجزر خضراء، وسط بحر من الأبنية الشاهقة.
يبهرك ايضاً فيها هذه القدرة اللافتة على استقطاب ارقى محلات الازياء والعطور والزينة الخ..في اسواق يتوزع الكثير منها حول شارع أورتشارد المركزي . اما عن الاجهزةالالكترونية، بمختلف انواعها، فهي تعامل معاملة خاصة، إذ تفرد لها سنغافوره بنايات من اربع او خمس طوابق كل زاوية منها مخصصة لبيع احد المنتوجات الالكتروينة أو مستلزماته وتوابعه. ولاننسى الاسواق الشعبية التي قد تكون صغيرة مؤلفة من بضع محلات تبيع البضائع ذاتها، كما في سوق “الهند الصغيرة” الى اسواق اخرى “شعبية” تحفل بكل ما هب ودب وتعمل على مدار الساعة .
وتكاد اراضيها تتداخل بأراضي ماليزيا التي تصلها بها طرق وجسر مرتفع، فيما يمكن للمرء ان يسافر منها الى معظم جزر الآرخبيل الاندونيسي على متن عبارة عادية لقصر المسافة. أما تايلاندا والفيلبين فلا بد من رحلة قصيرة بالطائرة للراغب بزيارتهما انطلاقاً من مطار سنغافورة الذي يشهد إقبالاً كبيراً من شركات الطيران والذي تحط فيه طائرات تابعة لسبعين منها بانتظام.
بعض هذا الاقبال يجد تفسيره في مناخها الاستوائي المشمس، اذ تتراوح درجات الحرارة فيها بين 23 و 31 درجة مئوية. وبفضل هذا المناخ، تجد الرياضات المائية والشتوية في سنغافورة ارضاً خصبة لها، فتزدهر وتستقطب المزيد من الباحثين عن المتعة. الا ان الطقس الاستوائي يعني ايضاً المزيد من الامطار خصوصاً بين نوفمبر (تشرين الثاني) ويناير (كانون الثاني) حين تكون اول الغيث قطرة .
الاكل والشراب … والمتعة

من احد المطاعم الرائعة الكائنة في أحضان الطبيعة بجوها الرومانسي مطعم Halia الواقع في حدائق سنغافورة Singapore Botanic Gardens . واهمية المكان تكمن في جانب منها ان الموقع قريب ايضا من حدائق السحلبية الوطنية الشهيرة National Orchid Gardenss مما يعني ان بوسعك الوصول الى هذه الحدائق الغناء سيراً على الاقدام والتجول في ارجائها بعد الفطور.
ويحبذ ايضاً ان يفرد المرء لجزيرة سنتوسا، المنتجع الحالم الذي لايملك من يزوره مرة الا ان يعود لزيارته مرات عدة. فهناك يمكنك ان ترى سنغافورة من برج كارلسبرغ ، منبسطة امامك في مشهد بانورامي، وأن تتناول الغداء في مطعم Trapizza في منتجع شانغري لا روسا سانتوسا، التابع للفندق الفاخر Shangri La وهو عبارة عن سلسلة من الفنادق والمنتجعات الموزعة في عدد من الدول الاسيوية ، ومعظم روادها من اصحاب الحظ والنصيب ممن منّ الله عليهم برصيد مصرفي كبير.
ومن الاماكن التي ينصح السائح الذواقة بزيارتها، منتجع بوتانيكا الصحي حيث يمكنه ان يترك الاخصائيين والاخصائيات يدلكونه بطرق فنية. اما اذا كان السائح برفقة زوجته، فإن “دش فيشي” وهو عبارة عن رذاذ ناعم دافئ معطر يبعث الحياة في الجسم قبل ان يُغطى بالمناشف على الطريقة الشرقية استعداداً لتناول وجبة خفيفة يخرج الزوجان بعدها وهما يشعران بقسط وافر من النشاط.
وكي تكون خاتمة اليوم من ذهب، ينصح الزائر بالتوجه الى التلفريك لتناول العشاء في احدى عرباته المعلقة في الهواء فيما الشمس تمعن في الغياب تاركة وراءها صفحة السماء الموشاة بلون وردي، عند اعلى نقطة في سنغافورة، وهي الاكوينوكس .
النوم … والتسوق

ولما كانت زيارة ستغافورة لاتكتمل من دون التمتع بتجربة التسوق التي تبرع المدينة الصغيرة في جعلها تجربة شيقة لاتنسى. صحيح ان الاسواق والمخازن كثيرة ومتنوعة، لربما استطاع المرء ان يصيد عصفورين بحجر واحد اذا توجه الى مجمع فندق رافلز Raffles ذائع الصيت الذي تأسس في 1887 ولم يطل به الوقت حتى صار المكان المفضل لعدد من النجوم والمشاهير.
واذا وضعت هموم النوم جانباً لبعض الوقت، لاستطعت ان تستعرض المحلات التي تبيع اكثر ما يخطر على بالك من نتاج المصممين والماركات التجارية الشهيرة. والى جانب المخازن الصغيرة والكبيرة نسبياً التي تحمل اسماء ماركات عالمية مثل لويس فويتون وأيجنر، هناك محلات اخرى متخصصة مثل لايتشن وتومي ولادرو وأرتفوليو.
بعد ذلك قد يروق لك ان تنال قسطاً من الراحة على الفراش الوفير في احد غرف الفندق الفاخر. لكن ربما تكون قد اخترت سلفاً احد فنادق سنغاورة المميزة الاخرى، مثل شانغري لا Shangri -La أو فور سيزنز Four Seasons أو رانديفو Randevous. الجميل ان هذه الفنادق ليست بعيدة جداً عن مجمع رافلز، شأنها شأن عدد من الفنادق الفاخرة الاخرى.