اليوم الحادى عشر 7 يوليو صوت حذاء ثقيل يدق...

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع Shereen Adel
  • تاريخ البدء تاريخ البدء
S

Shereen Adel

:: مسافر ::
اليوم الحادى عشر 7 يوليو
صوت حذاء ثقيل يدق أرضية الغرفة بعنف ممزقا هدوء بلدة "ستياتسميندا" بأكملها .. ينتزعنى من نوم ثقيل رغم محاولة صاحبته الفاشلة للتخفيف من حدة وقعه ... كانت رفيقة الغرفة البولندية تستعد لمغادرتها سعياً إلى جبل كازبيجي كما شرحت لنا بمساء الليلة السابقة ... تطلب رحلة التسلق خمسة ساعات كاملة ... ومثلهم نزولا! فسفح الجبل يقع على جهة الغرب من قرية "ستيباتسميندا" .. على ارتفاع 1700+ م من سطح البحر ... بينما القمة تعلو إلى ارتفاع 5000+ م فوق سطح البحر!
كازبيجى (أو كازبيك) هو واحد من أعلى قمم جبال القوقاز بجورجيا، وهو ليس بإعلاها كما يحسب البعض، ولكنه يتمتع بالشهرة الأكبر، ويأتى إليه المتسلقون من كل بقاع العالم، يزورون الجلاسيير او النهر المتجمد قرب قمته ... أما القمة فهى فوهة بركانية خاملة! لا أعرف تحديدا سبب شهرة هذا الجبل بالذات دونا عن غيره من قمم القوقاز، لكن الأسطورة هنا تقول ان أحد أبطال الميثولوجيا الجورجية، وهو المعادل الموضوعى ل "بروموثيوس" فى الميثولوجيا الإغريقية، تم معاقبته بتقييده فوق هذا الجبل.
خرجنا من الجيست هاوس فى حدود الثامنة صباحاً، بعد ان لملمنا حاجياتنا وحاسبنا صاحبة البيت. توجهنا إلى الساحة الرئيسية بالقرية بحثاً عن سيارة تحملنا إلى قمة الجبل القريب. وجدنا سيارة ... كما وجدتنا فتاة ورفيقها كان يبحثان عن نفرين لتكتمل السيارة حتى تنقسم الأجرة على أربعة. بعد فصال طويل مع السائق الزنان اللى قعد يكرر ويعيد ويزيد فى الأرقام ... اتفقنا على 10 لارى للفرد (40 لارى للسيارة).
السيارة اللادا الروسى تقطع شوارع القرية المتربة متجهة غرباً إلى الجبل ... تختفى بيوت القرية ... حين يسلك السائق بداية طريق ضيق بالكاد يكفى عبور سيارة ونصف ... يتلوى كالثعبان إلى القمة الخضراء ... سرعان ما تتغير جغرافية الأرض من تحتنا لتصير أكثر وعورة وخشونة ... أحجار كبير وشقوق عميقة تصارعها السيارة فى جلد يجبرنى على رفع القبعة للصناعة الروسية المعجزة... السيارة اللى بقت زى الخلاط واحنا بنتمخمض جواها .... مرت لحظات شعرت معها اننا سنهوى من فوق الجبل مع اقتراب السيارة الشديد من حافة الطريق ... مرات أخرى فلتنا من تصادم وشيك مع سيارة قادمة من التجاه المعاكس فى الطريق الذى لن يكفينا معا ابدا .... كل هذا والسائق يعالج عجلة القيادة فى تركيز شديد ومهارة لابد ان نعترف بها رغم معانتنا فى مقاعدنا الراقصة!
أخيرا وصلنا قرب قمة الجبل ... حيث تنبسط الأرض إلى سهل أخضر يعكس لونه الشمس فى نضارة. تتوقف السيارة لينزل الشاب وفتاته ... ويتجها شرقا تجاه جبل كازبيجي نفسه ... بينما نتقدم نحن إلى قمة الجبل الصغير (نسبيا) الذى نقف عليه الآن متوجهين إلى بناء حجرى أثرى يعتلى قمته على بعد مائتى متر أو أقل.
كنيسة جيرجيتى Gergeti التى تحتل كافة الصور السياحية المتعلقة بجورجيا كرمز للبلاد، تطل فى سكون وحكمة فوق بلدة ستياتسميندا ... على ارتفاع 2170+ م فوق سطح الأرض ... بينما تبدو فى خلفيته اروع صورة يمكن ان تلامسها عيناك لسلسلة جبال القوقاز ... يتوسطهم جبل كازبيجي الذى تناطح قامته السحاب فى مشهد خيالى يليق فقط بمشاهد الجبال الطافية بين السحاب فى أفلام ديزني!
جو الكنيسة المهيب ... خاصة مع وجود قداس لم يحضره سوى فردين ... وقفنا خلفهما فى صمت ... بينما نراقب القسيس يصلي عند المذبح فى رداءه الأبيض المزين بالصلبان الحمراء المطعمة بالخيوط الذهبية، بينما وقف شاب أصغر سناً فى طرف القاعة، خلف بوديوم طويل يحمل انجيلاً ضخماً، فى رداء أسود تنافسه لحية طويلة أكثر سواداً، يردد الصلوات تجاولاً مع القسيس بتناغم وخشوع.
لحظات وخرجنا من القاعة الضيقة للكنيسة، إلى ساحتها الخلفية المطلة على الوادى، على بيوت "ستيباتسمندا" الغافية فى دعة وسكون ... سكوووووون تام يغلف المكان بأكمله ... حتى الصلوات الكنسية قد حجبتها الجدران السميكة للبناء القروسطى (من القرون الوسطى) ... وقفنا فى سلام لبضع دقائق ... يرهبنا الصمت وجمال المنظر المحيط بنا من جبال شاهقة وسهول خضراء شاسعة ... حتى تحطم كل هذا السكون تماما على صوت دقات جرس الكنيسة ... التفتنا فكان خادم الكنيسة يمسك بحبل طويل يمتد إلى جرس حديدى ضخم يحتل برج الأجراس الحجرى النابت فى الساحة الخلفية للكنيسة مثل شجرة باسقة ... خادم الكنيسة فى ردائه الأسود المشدل حتى أطراف حذائه عالى الرقبة الشبيه بأحذية الرعاة ... وشعره البنى الناعم المفروق من منتصف رأسه ومضموم فى ذيل حصان قصير خلف رأسه ... ولحيته المنسابة فى نعومة حول وجهه البارد ... يبدو فى صمته وعبوسه كأحدب نوتردام ... وحيداً مضطرب العقل قليلا!
فارقنا الكنيسة ملقين نظرة وداع أخيرة على أجمل مشهد فى جورجيا كلها ... جبل كازبيجي القريب بقامته المهيبة المتحدية للسحاب فى إباء ... والسهول الخضراء المؤدية إليه. هناك طريق ضيق يشق السهل نزولا إلى القرية ... تحدده الحشائش المنزوعة عن سطح الجبل ... كان الخيار المقابل ان نعود أدراجنا على نفس مسار السيارات ... وهو طريق أكثر إتساعاً ولكنه أطول بالتأكيد ... هكذا أقنعت محمد حمودة ان يتبعنى على الطريق الضيق ... وياليتنى ما فعلت ... وياليته ما اقتنع!
الأرض ترابيه ... تكونت مع جفاف الطمى الخصب ... بالتالى ليست بالصلابة الكافية لتتحمل ثقل أقدامنا فوقها بثقة .... كما ان هناك عدد كبير من الحصى والحجارة الصغيرة الغير مستقرة ... تنزحها أقدامنا فننزلق معها ... جربنا المشى بخطوات صغيرة مع تثبيت أقدامنا على جانبى الممر الترابى فى مشهد أقرب إلى مشية البطاريق ... جربنا النزول بالجنب ... مائلين بأجسامنا على الجانب أيسر بينما ننقل الرجل اليمنى إلى الأسفل أولاً تتبعها اليسري .. جربنا الاتكاء على الأرع والزحف نزولاً ... جربنا باستماتة كل شىء فى محاولة لعدم السقوط ... وفى عز كل هذه المشقة .. يمر بجوارنا ثلاثة من الشباب يتقافزون قفزا فى خطوات واسعة فوق الصخور والحشائش قاطعين مسافة كبيرة جدا ونحن مازلنا نحبو ورائهم فى قنوط ... الحذاء .... الحذاااااااااء يصنع كل الفارق هنا ... ليس اللياقة ... ولا الوزن ... ولا الحالة الصحية .... فقط زوجين من الأحذية المناسبة للتسلق أو الأراضى الوعرة ... وهو ما كنا نرتدى عكسه تماما ... زوجين من الأحذية الملساء كزلطة ترقد فى قاع المحيط منذ آلاف السنين ... لم نكن مجهزين بالمرة لرحلة كتلك ... وكازبيجي فى الأصل لم تكن يوما محطة فى خارطة الطريق برحلة جورجيا!
وصلنا سالمين؟ نعم ... بعد ساعة ونصف تقريبا من الرعب ... وسقطة بهلوانية تقمصت فيها أنا دور لاعبة ترابيز غير محترفة ... حيث سقطت على جانبى الأيمن فخبطت الأرض بقوة امتصتها شنطة ظهرى الضخمة .. ثم ارتد جسدى فدار حول نفسه دورة كاملة فى الهواء قبل ان يرتطم بالأرض مرة أخرة ... هذه المرة لاحتضن الأرض حضن مطارات ... ثم انقل مرة أخرة متدحرجة فوق الحشائش إلى ان اتوقف تماما ويسود الصمت التام!
لحظة قصيرة مرت كالدهر ... وأنا أحاول استيعاب موقفى ... لادرك بعد الافاقة من الصدمة اننى مستلقية على ظهرى بصورة أفقية على جانب الجبل ... فاعتدلت جالسة ... وقد جائنى صوت محمد المذعور من خلفى بعد ان أفاق هو الآخر من مشهد "كيف تصنع التشيكن رول" الذى رآه للتو ... "انتى كويسة؟" ... كانت كمية الذعر فى صوته أكثر رعبا لى من السقطة ذاتها ... ولابد ان المشهد من فوق كان مخيفاً! لأجيبه عن سؤاله بدأت فى تحريك أطرافى أولا ... فاطمئنيت الى عدم وجود كسور او التوائات حادة ... فقط ألم طفيف فى قدمى اليمنى نتيجة التواء خفيف لكاحلى ... بعض الخدوش على ذراعى الأيسر ... جرر بسيط فى كوعى الأيمن ومثله فى إصبعين بذات اليد ... الحمد لله ... "انا كويسة مفيش حاجة" اجبته فى ذهول ان فعلا "مفيش حاجة"! بعدها اطمأنيت على مصير الموبايل فى جيبى وباقى الاجهزة الصغيرة فى حقيبة ظهري ... برضو الحمد لله كله سليم ... باستثناء يد الشنطة ذاتها اللى اتقطع. تحاملت على نفسى وقمت لانفض التراب ... وحملت الحقيبة بيد واحدة ... ثم استكملنا المسير وقد بلغ منا الخوف مبلغه ان يتكرر الحادث ... مش كل مرة هتسلم الجرة ... ولا ايه؟
الدروس المستفادة: لو هتطلع كازبيجي على رجليك (او هتنزل بس زينا) لازم تبقى مجهز بحذاء مخصوص ... ومتشيلش خاجة على ضهرك تتقلك ... ويا سلام لو معاك عصا تسلق (شفنا ناس ماسكينها ... بتبقى عصا معدن طويلة بمقبض مطاطى ... شيه عصا التزحلق على الجليد ... او ان شالله تجيب اى فرع شجرة رفيع واقع واتسند عليه ... اولد سكول!)
عدنا إلى القرية أخيراً والساعة تقارب الواحدة والنصف ظهرا .... عثرنا على ماشروتكا على وشك المغادرة ... وبالصدفة كانت تحمل على متنها "فيرجيس" اللتوانى ... القرد الصغير قد تسلق الجبل بمفرده مرتين ... مرة بالأمس ومرة صباح اليوم!
بقية اليوم مرت عادية ... عدنا إلى تبليسى فى قطعة واحدة بعد رحلة شاقة مع سائق أرعن كاد ان ينقلب بنا عدة مرات من فوق الجبل ... كما توقف فى مرة على بعد نصف خطوة من جاموسة كانت تتهادى عابرة الطريق السريع فى تثاقل ... حتى صار بوسعنا ان نرى بخار انفاسها على الزجاج الأمامى!
برغم من حادث الجبل ومشقة المشوار ... بس كازبيجي كانت اهم وأحلى مكان زرته فى مجمل أيامى كلها بجورجيا. لو رايح جورجيا متفوتاكش ;)
فى تبليسى تمكنت بمعجزة ما وبمساعدة "صادق" بالطبع من إرجاع تذكرة الباليه المغلوطة التاريخ واستعادة قيمتها كاملة بعد الدخول فى دورة عقيمة من البيروقراطية الجورجية الأصيلة (لازم تقدم التذكرة وفاتورة الدفع معاها ... وبعدين هم فى الأوبرا هيبيعوها بعدين يكلموك ترجع تاخد الفلوس – ده لو اتباعت). قضينا السهرة فى شاردانى ... بكافيه مصرى هناك ... حيث قابلت أصدقاء صادق مرة أخرى كما قابلت عدد من الشباب من Traveller Experience كانوا وصلوا من يومين (شباب الرافتينج اللى كانوا ساعتها قاعدين بيتفقوا لو هنروح سوا ولا لأ فى اليوم التالى بس انا اعتذرت لانه آخر يوم لى بالبلد وكنت عايزة اقضيه بدون اى خسائر أخرى فى الارواح :D )
اليوم الأخير قضيته فى شوبينج سريع ووداع للاصدقاء الجدد فى جورجيا.
هكذا تنتهى يومياتى فى رحلة القوقاز الجميلة ... اتمنى تكونوا استمتعم بيها وافادتكم بشوية معلومات

#مصرية_فى_بلاد_القوقاز
13718797_1127910920615121_6691111307545658271_n.jpg

13669816_1127910927281787_643309345585848647_n.jpg

13692682_1127910933948453_318441500688220185_n.jpg

13690589_1127910967281783_643385890419938534_n.jpg

13781858_1127911000615113_9056921606105527914_n.jpg

13700169_1127910997281780_5425248461178979691_n.jpg

13726708_1127911013948445_8216723443282945625_n.jpg

13692705_1127911047281775_3296145797120925481_n.jpg

13692728_1127911070615106_1552396533256540108_n.jpg

13769608_1127911117281768_4260599336186773679_n.jpg

13700065_1127911127281767_8958275664312132364_n.jpg

13775960_1127911140615099_145645138145203915_n.jpg
 
خلاص كده ....أيام الرحلة وتقاريرها الجميلة خلصت ...يا للأسف

مكنتش عمرى أتخيل وانا ماسك فى ايدى الأولى باريس ومن بعدها الفيروزية ...انه يجى اليوم اللى أكون فيه بقرأ حاجة انتى كتباها وأنا جزء منها وعشتها فعلا وواقعا .......بجد بجد بجد ...ومن كل قلبى
متشكر ليكى جدااا يا شيرين ع الصحبة الحلوة والمختلفة والمفيدة والمثمرة دى ....بس مفيناش من جبال تانى مع بعض بعد كده
Shereen Adel